أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 40

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

رحى الخلافات بين مجموعات متعدّدة ، فحاولتُ قدر المستطاع عرضها بهدوء تام ومع المحافظة على تماسك القلم . وقد سعيتُ إلى إعطاء الأطراف كافّة حقَّهم في بيان وجهة نظرهم ، وذلك ضمن الأشخاص الذين تيسّر لي الوصول إليهم ، لكن دون أن يسلبني ذلك الحقّ في النقاش والتمحيص بهدف بلورة المتبنّى التاريخي ، دون التعدّي إلى الجانب المعياري غير المرتبط بالبعد التاريخي . وثمّة عاملٌ ساهم - ربّما - في تكريس هدوء البحث إلى حدٍّ ما ، وهو بُعد الكاتب الانتمائي عن التجاذبات التي ألمّت بتيّارات الساحة العراقيّة ؛ فإنّه لا يميل عاطفيّاً إلى تيّار دون آخر لكي يتحرّك في باطنه نحو ما يصبّ في صالح ذلك التيّار . الأمر الثالث ليس الكاتب ممّن يعمل على تهميش دور المؤسّسة المرجعيّة ويدعو إلى عزلها وإهمالها ، فإنّي لا أعتقد بالمقولة التي أطلقها الدكتور علي شريعتي تحت شعار ( اسلام منهاى روحانيت ) ، أي الإسلام بدون مؤسّسة رجال الدين ، وأنا أتطلّع دائماً إلى اليوم الذي تستطيع فيه هذه المؤسّسة أن تمارس دورها بالنحو الذي أريد لها ، وتتّسع نشاطاتها لتكون السبّاقة إلى علاج مشكلات الناس بدل الانكفاء عنهم . ومن هنا ، فإنّي منذ البدء لا أحبّ لأحدٍ أن يُمارس نوعاً من المزايدة حول هذه النقطة . وممّا يعبّر عن هذا الموقف ما ذكره الشيخ محمّد جواد مغنيّة ( ره ) حيث قال : « إنّي أرجّح الفوضى على تنظيم الساسة والسياسة ، وأفضّل أنا - وكلّ عاقل - التقاليد النجفيّة بعلّاتها على أيّ تدخّل خارج عن الدين وأهله . وليس معنى هذا أنّي سأسكت وأصمت عمّا نحن فيه من عيوب وأخطاء حرصاً على الهيئة الدينيّة والحوزة العلميّة كما يقولون . . كلّا ، ثمّ كلّا ، كيف ! وأنا أؤمن بأنّ السبيل إلى القضاء على الرذيلة والأخطاء هو أن نعرفها ونعترف بها ، ونشعر بوجوب الخلاص منها . أمّا السكوت والصمت ، أمّا التجاهل وغض الطرف عن العيوب ، فمعناه الإمضاء لها والإبقاء عليها ، ومعناه أيضاً تشجيع الأغيلمة ومن إليهم على تعدّي الحدود والفضول والتطفّل . ثمّ ما معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ هل معناه أنّنا مسؤولون عن غيرنا ولسنا مسؤولين عن أنفسنا ؟ ثمّ لماذا نحرص كلّ الحرص على أن يستر بعضنا على بعض ، ونخاف هذا الخوف من النقد والصراحة ؟ وهل من سرٍّ سوى الجبن والهلع من الفضائح والقبائح ؟ لو كنّا على قليلٍ من الوعي والشجاعة ، أو على شيءٍ من حب الخير لأنفسنا ، لرحّبنا بالنقد والناقد ، بل وبحثنا عنه في كلّ مكان ، فإن لم نجده أوجدناه وخلقناه ، على شريطة أن يكون مخلصاً في أهدافه ، خبيراً بالأسواء والأدواء ، يجب أن نطلب هذا الناقد وندعوه للنقد ، تماماً كما يجب أن نبحث عن الطبيب الناصح الماهر وندعوه للعلاج . وبالتالي فإنّي سأنتقد كلّ عيبٍ ونقصٍ أراه في قومي الذين أشهد الله وأنبياءه وأولياءه على المرارة التي أعانيها من أجلهم . . إنّي أدين لهم بالإخلاص وأتمنّى لهم كلّ الخير ، وأن يكونوا فوق الناس أجمعين ، ولذلك